الرؤية السيادية لإسلام بن عبد الله حول حماية الأمن السيادي للشرق الأوسط
بقلم: اسلام بن عبد الله قاضية دولية، مستشارة استراتيجية و سفيرة دولية للسلام

من فخاخ التشرذم إلى حصن التلاحم : الرؤية السيادية لإسلام بن عبد الله حول حماية الأمن السيادي للشرق الأوسط:
المقدمة :
لم تعد النقاشات الفكرية الناعمة او الخطابات اللينة كافية لوحدها لمواجهة التحديات الوجودية التي تختبر صلابة الاوطان و ثباتها خصوصا في هذه اللحظات التاريخية الفارقة التي تمر بها منطقة الشرق الاوسط .
إن ما نطرحه اليوم ليس مجرد رؤية أخلاقية للتعايش ومجابهة الصعوبات بل هو مانيفستو سيادي يضع الأمن الروحي للمواطن واستقراره في قلب استراتيجية الدفاع عن السيادة الوطنية الشاملة .
اولا : مجابهة فخاخ التفتت … حماية السيادة من الداخل :
يمكن القول بأن التحدي الأبرز الذي يواجهنا اليوم يكمن في إستنزاف الطاقات المجتمعية في صراعات فكرية جانبية ، فإستقرار الأوطان يتطلب وعياً إستراتيجياً يدرك أن قوة الدولة تبدأ من إنسجام نسيجها الوطني.
يحمل التنوع الديني والثقافي في جوهره الثروة الحضارية ، والذكاء القيادي يتجلى في القدرة على تحويل هذا التنوع إلى ركيزة للإستقرار تحت سيادة القانون . لذلك يعد الإستثمار في ثقافة الاحتواء هو الضمانة الضرورية لتحصين الداخل ضد أي محاولات للمساس بالوحدة الوطنية ، فتعزيز التلاحم المجتمعي ليس مجرد خيار أخلاقي بل هو ضرورة استراتيجية تضمن للدولة مكانتها المرموقة وتفتح آفاق الإزدهار للأجيال القادمة.
ثانياً :الأمن السيادي :
يتجاوز مفهوم الأمن السيادي في رؤيتنا التعريفات التقليدية التي تنحصر في القوة العسكرية المحضة فقط ، فالأمن السيادي يشمل أيضاً الحصانة البنيوية للمجتمع . فالدولة التي تفرض إحترام الأديان ، تمنع المساس بالمقدسات وتصون حرية المعتقد وقدسية الضمير لمواطنيها عبر قوانين حازمة وقضاء صارم وعادل دولة قانون تمتلك درعاً سيادياً فولاذياً لا يمكن اختراقه من قبل كل من يحاول التطاول على المقدسات والإعتداء على حرية المعتقد بهدف نشر الفتنة و الصراعات التي تهدد الإستقرار الأمني للمواطن . فالمواطن يجب أن يشعر بالأمان المطلق على نفسه ومعتقده داخل وطن يحميه ودولة توفر له الإستقرار كشكل من أشكال ممارسة السيادة .
تالثاً : المواطنة كدرع سيادي :
تتطلب حماية الأمن السيادي ضرورة وجود ممارسة مواطنة سيادية مطلقة في ظل قانون يكون هو الحصن الوحيد الذي يتساوى تحته الجميع دون إستثناء وعلى قدم المساواة في الحقوق والواجبات . عندما يكون هنالك ولاء فعلي و حقيقي للدولة ، يتحول التنوع إلى رصيد إستراتيجي محصن ضد الصراعات التي من الممكن أن تؤدي إلى انفجارات تهدد الإستقرار الداخلي وأمن المواطن .
تجدر الإشارة إلى أن السيادة الحقيقية لا يمكن أن تسمح لأي ضجيج أن يعلو فوق صوت القانون ، وهي التي تجعل من إحترام الآخر إلتزاماً سيادياً يحميه القضاء و تصونه هيبة الدولة.
رابعاً : التعايش السلمي بين جميع المواطنين كاستثمار في القوة والإزدهار الاقتصادي:
لا يمكن بناء إقتصاد منافس أو سيادة مستدامة على بيئة مجتمعية تفتقر إلى الرسوخ ، فالإقتصاد يبنى على أرض قوية محصنة ضد الخلافات ، وبالرغم من الاختلافات .
اننا نؤمن بأن الإنتقال من منطق إدارة الأزمات إلى أفاق هندسة الإستقرار يتطلب بناء شراكات إستراتيجية قوية قوامها المصالح المشتركة والكرامة السيادية.
فالشرق الأوسط الذي ننشده هو حصن الوحدة الذي يدرك فيه الجميع أن التكامل الوجودي بين الحصانة السيادية والإزدهار التنموي والإقتصادي هو الضمانة الحتمية لتحويل المنطقة إلى قطب مالي محصن و بنية قوية لجذب الاستثمارات العالمية والتدفقات المالية الكبرى وضمان استدامتها .
خامساً : حصن الوحدة …وركيزة الصعود الإستراتيجي :
تجابه المنطقة اليوم خيارين لا ثالث لهما : إما الارتهان المستمر لصراعات تلتهم المقدرات ، أو الصعود نحو حصن التلاحم والوحدة برؤية إستراتيجية ترتكز على شجاعة المواجهة، إرادة التحدي و حكمة الاحتواء .
صحيح ان التاريخ سيذكر الجميع ، لكنه سيلفظ كل من ساهموا في التفتيت إلى الهوامش المظلمة، بينما سيخلد سجلات المجد لأولئك الذين بنوا الحصون الفكرية والسيادية وساهموا بكل ما اوتو من الشجاعة والقوة في الإزدهار الإقتصادي والتنموي لأوطانهم بكل قوة وإخلاص .
الخاتمة :
تقاس سيادة الدول بمدى قدرتها على صون الكرامة الروحية وتحقيق الإستقرار والتلاحم البنيوي لمواطنيها وذلك عن طريق درع قانوني صارم وسلطة قضائية عادلة.
فالمعادلة الثلاثية للدولة القوية هي السيادة ، الحماية والكرامة .
اننا نضع ميثاقاً للصمود يجعل الدولة تمتلك حصناً فكرياً قوياً منيعاً وإقتصاداً مزدهراً نابعاً من الإستقرار . فالدولة هي الوحيدة القادرة على حجز مقعدها في طليعة القوى الفاعلة عالمياً بفضل هيبتها وسيادتها .
نحن ندعو للنهوض والتمسك بالهوية والسيادة ، والصعود نحو القمة بكل كبرياء سيادي … لأن المستقبل لا يصنعه إلا الأقوياء والمخلصين لأوطانهم .
السيادة حصننا … و التلاحم قوتنا … و المواطنة ميثاقنا .


