مقالات

السيادة النفسية للمرأة كحصانة مدعمة بالدرع القانوني: رؤية استراتيجية للقاضية الدولية إسلام بن عبد الله للتصدي لظاهرة العنف ضد المرأة خصوصاً في ظل العصر الرقمي

 

لم يعد العنف ضد المرأة اليوم في ظل عصر التطورات التكنولوجية المتسارعة والمتطورة يتمثل فقط في فعل مادي عنيف ملموس بل تطور إلى إرهاب رقمي عابر للحدود والقارات يتسلل عبر الشاشات ، مواقع التواصل الإجتماعي ، التطبيقات الإلكترونية الحديثة  والخوارزميات ليخترق أعمق حصون الخصوصية مستهدفاً الكيان النفسي للمرأة وصحتها العقلية .

تطرح القاضية الدولية ، السفيرة الدولية للسلام والناشطة الحقوقية للتصدي للعنف ضد المرأة إسلام بن عبد الله رؤية استراتيجية متكاملة تؤسس لمنظومة حماية استباقية مدعمة بصلابة النصوص التشريعية كدرع قانوني والحصانة النفسية كسيادة ذاتية للمرأة على كيانها. تؤكد بن عبد الله أن حماية المرأة تبدأ من بناء وتحصين سيادتها النفسية الداخلية لتتوج بتطبيق قضائي عادل ينصفها ويضرب بيد من حديد في مواجهة كل من يمس من حقوقها بأي شكل من الأشكال.

 

أولاً: السيادة النفسية للمرأة.. خط الدفاع الأول:

تؤكد السفيرة إسلام بن عبدالله على ضرورة تعزيز السيادة النفسية للمرأة، إذ ترى أن التصدي للعنف يبدأ من الحصانة النفسية .

يقصد بالسيادة النفسية هي قدرة المرأة على الوقوف صامدة أمام موجات التهديد والابتزاز الرقمي، التحلي بالشجاعة والقوة وخاصةً تحدي النظرة الدونية من المجتمع للمرأة ضحية الابتزاز عن طريق صور و تسجيلات مثلاً، فتلك النظرة لا تقل خطورة عن العنف المسلط من الجاني بل غالباً تساويه في الأثر النفسي على الضحية لتشكل في حد ذاتها عنفاً لا يستهان به على المرأة .

تتمثل السيادة النفسية في ميثاق ثقة تبرمه المرأة مع ذاتها ، بحيث  أن لا تسمح المرأة لأي ضغط خارجي أو تهديد رقمي عبر رسائل إلكترونية أن يهز ثقتها في نفسها ، في مركزها ومكانتها في المجتمع بصفتها إمرأة أولاً وعنصراً فاعلاً في المجتمع ثانياً يتميز بالوعي والثقافة ,المؤهلات في جميع الميادين التي تظهر فيها كقائدة ناجحة اثبتت جدارتها كإمرأة عاملة مستقلة بذاتها وفي نفس الوقت مربية أجيال رائعة

يحاول البعض في العصر الرقمي اليوم إستخدام الإبتزاز ، التنمر أو تشويه السمعة كطريقة خطيرة لزعزعة السيادة النفسية للمرأة والاضرار بصحتها النفسية ،وهنا تأتي ثقافة نشر الوعي ودورها في دعم المرأة لتكون ذات شخصية قوية صلبة لا تقبل الكسر بأي شكل من الأشكال وهذا يشكل سلاحاً ذو طابع حمائي للمرأة يمكنها من مواجهة كل ما يهدد صحتها المعنوية، النفسية والعقلية التي لا تقل أهميةً عن صحتها الجسدية نظراً لأن العنف الرقمي اليوم أصبح لا يقل خطورة عن العنف الجسدي والاقتصادي ، وأكبر دليل على ذلك وجود العديد من الضحايا من النساء اللواتي خسرن حياتهن نتيجة هذا العنف الذي يشكل إرهاباً رقمياً والذي إنتشر مؤخراً كإنتشار الخلايا السرطانية في جسم الإنسان بل وأشد خطورة إستناداً لرصد إنتشار حالات الإنتحار مؤخراً تاركين خلفهم عائلات ترثى ابنائها بلوعة لا تشفى حتى بمرور الزمن .

وهنا يأتي دور نشر ثقافة الوعي لدعم المرأة وحمايتها .

-الثبات الانفعالي للضحية و قدرتها على ادارة مشاعرها بكل موضوعية :

يجب على الضحية أن تتعامل مع التهديدات الرقمية بوعي وقوة شخصية صلبة لا تقبل الكسر بأي شكل من الأشكال وأن لا تخشى المواجهة تحت أي ضغط من الضغوطات مهما كان حجمها و ثقلها.

-يعد الثبات الانفعالي ركيزة اساسية لدعم المراة . فالمواجهة تبدا من قدرة الضحية على ادارة مشاعرها بموضوعية تامة ، بعيداً عن التشنج أو الإرتباك الذي يقتات عليه المبتز.

تعتبر بن عبد الله أن قوة الشخصية الصلبة التي لا تقبل الكسر هي السلاح الأمضى ، كما ترى أن إدارة المشاعر في لحظة الأزمة هي التي تحول الضحية من موقف المتلقي المذعور إلى موقف المواجه الذي يستمد قوته من وعيه بحقوقه وبثبات كيانه النفسي أمام أي محاولة للإختراق .

-الاستقلالية القيمية للمرأة …حصن الذات ضد الإخضاع الرقمي :

تطرح السفيرة إسلام بن عبدالله مفهوماً محورياً اسمته الاستقلالية القيمية وهو فك الإرتباط بين قيمة المرأة الذاتية وبين كل ما يكتب أو يشاع عنها في الفضاء الرقمي والذي يهدف إلى الإنتقاص من قيمتها . فالمبتز يسعى من خلال الرسائل الإلكترونية السلبية وحملات التشويه إلى إخضاع الضحية نفسياً وبث الرعب في وجدانها لزعزعة استقرارها المعنوي .

وتؤكد بن عبدالله أن صمود المرأة أمام هذه الأفات الرقمية يبدأ من ادراكها بأن قيمتها ومركزها أسمى من أن تختزل في شاشة أو رسالة إلكترونية مسيئة . فالإستقلالية القيمية هي أن لا تسمح المرأة لهذه الضوضاء الرقمية بإختراق حالة الأمان النفسي لديها ، بل يجب أن تكون محصنة ضد أي محاولة تستهدف المساس بكرامتها أو بصحتها النفسية والعقلية.

 

ثانياً : الإستجابة الضرورية :

تستحضر السفيرة إسلام بن عبدالله الحوادث المفجعة التي هزت الرأي العام والضمير الجمعي مؤخراً ، لفتيات وسيدات في مقتبل العمر ذهبن ضحايا القهر الرقمي والإبتزاز ، أو غادرن عالمنا نتيجة عنف غاشم وصل حد القتل في واضح النهار ، أو بسبب الإحتراق النفسي أو الإنهيار العصبي الذي أدى ببعضهن إلى إنهاء حياتهن هرباً من ضغوطات لا تحتمل .

تؤكد لنا هذه الفواجع ضرورة توفير شبكة أمان مركزة تتمثل في :

1 – توفير مراكز العناية النفسية المتخصصة : يقصد بذلك وجود مراكز مراقبة مركزة للضحايا اللواتي يمررن بحالات نفسية أو عصبية حرجة لتكون ملاذاً آمناً يحميهن من إتخاذ قرارات يائسة تصل إلى الإنتحار .

2- أنسنة العلاج النفسي: توفير أطباء نفسيين يقدمون استشارات وعلاجات مجانية أو بأجور رمزية بالنسبة للحالات التي تعاني من ضائقة مالية، فالعلاج النفسي لا يجب أن يكون حكراً على من يملك المال فقط .

تعتبر بن عبدالله أن هذه المراكز هي آلية حماية استباقية ومنظومة إنقاذ للضحية قبل فوات الأوان، فالهدف الأسمى هو حماية حق الانسان في الحياة، وهذا الحق لا يصان إلا بتكاتف الدرع القانوني الزجري مع السند النفسي، المادي والمعنوي .

 

ثالثا: الملاذات الامنة والتمكين المادي … كسر قيد التبعية وحماية كرامة المرأة:

يقصد بذلك أن تقوم الجمعيات بمساعدة الضحية مادياً وفي أسرع وقت ممكن إذا تبين من ملفها أنها تعاني من ضائقة مالية جعلتها عاجزة عن سد الحاجيات الأساسية لها ولأبنائها خصوصاً إن كانوا قصر .  فالضحية أحياناً تكون قد وقعت فريسة الضغط المادي والعنف الإقتصادي والذي يمكن أن يسب لها إحتراقاً نفسياً قد يؤدي إلى اقدامها على وضع حد لحياتها بسب شعورها بالعجز على تلبية حاجياتها الضرورية وحاجيات ابنائها خصوصاً في حالة الغياب الكلي أو الجزئي للأب .

تحتاج القوة النفسي للمرأة إلى أرضية صلبة تقف عليها ، وهنا يأتي الدور الهام لهذه الجمعيات في توفير ملاذات مادية امنة تمكن الضحية من مواجهة العنف الإقتصادي الذي تعاني منه بسبب زوج ظالم أو طليق  لا يعرف الرحمة ويتخذ من هذا العنف وسيلة لإخضاعها وكسرها.

تدعو بن عبدالله إلى ضرورة توفير صناديق حلول مادية استعجالية تمنح المرأة الضحية نفساً من الحرية والأمان المادي مما يحميها من السقوط في فخ الإبتزاز المعيشي ويصون كرامتها. يمنح هذا الملاذ المادي الضحية القدرة على إختيار طريق عدم الإستسلام  لواقعها الأليم والمواجهة بكل كبرياء وكرامة بدلاً من القهر والإنكسار  تحت وطأة الحاجة والضغوطات المادية التي يستغلها الجاني أحيانا بهدف التشفي والإنتقام محكماً قبضته على الضحية .

 

 

 

رابعاً : قدسية الحرمة الذاتية للضحية … لا تبرير ولا تسامح مع العنف :

تنتقل بن عبدالله إلى مربع الحسم ، مؤكدةً على ضرورة تفعيل دور المنظمات الحقوقية ووسائل التواصل الإجتماعي في غرس ونشر ثقافة عدم التسامح المطلق مع الجاني الذي يمارس العنف على الضحية . فالمرأة يجب أن تدرك أن الحرمة الجسدية و النفسية والعقلية هي خط أحمر لا يقبل الجدل أو التجاوز تحت اي ظرف أو مبرر .

و تشدد بن عبد الله على حقيقة قانونية ان درجة القرابة او نوع العلاقة بين الضحية و الجاني مثلا ان كانت علاقة زوجية  لا يمكن ان تكون مبررا للصمت بل هي في المنطق القانوني السليم هي ظرف تشديد للعقاب .فالعنف الغاشم حين يأتي ممن يفترض فيه الامان يصبح اشد جرما،أقوى وقعاً على نفسية الضحية وأكثر إستحقاقاً للردع الصارم .

تبدأ الحماية بوعي المرأة بأن كرامتها فوق كل إعتبار ، وأن القانون موجود ليكون درعاً يحمي قدسية كيانها .

 

خامسا : تحطيم صنم الخوف … رسالة السيادة النفسية للمرأة في كل مكان :

تتوجه السفيرة اسلام بن عبد الله برسالة حازمة و مباشرة الى كل امراة في العالم ،و للمراة العربية بصفة خاصة ، تدعوها فيها الى تحطيم صنم الخوف و التحلي بالشجاعة التي لا تلين. فالمبتز او الجاني ، مهما بلغت جسامة افعاله يظل في جوهره شخصية هشة يستمد قوته الوهمية من انعكاس خوف الضحية في مرآة افعاله ،و من المعاناة النفسية التي يقتات عليها.

و تؤكد بن عبد الله ان النظرة الدونية التي يمارسها البعض ضد المرأة المعنفة هي عنف موازي يسعى لمحاصرة الضحية بمشاعر الخزي و العار الزائفة . ولكن الحقيقة التي يجب أن تدركها كل إمرأة هي أنها كيان محصن ، محمية بقوة التشريعات الوطنية و المواثيق الدولية ومدعومة بعدالة القضاء . إن شعور المرأة بالقوة والأمان هو أول مسمار نعش سطوة الجاني أو المبتز ،و هو البداية الحقيقية لاسترداد السيادة الذاتية على حياتها و مستقبلها.

 

 

 

– العبور نحو المواجهة : من قيود العار الى الحصانة النفسية الحديدية :

تنبع السيادة النفسية من تلك اللحظة الفارقة التي تقرر فيها المرأة تحطيم صنم الفضيحة وإقتلاع جذور العار الزائف ، لتستبدلهما بثقافة المواجهة . انها دعوة لتكون كل إمرأة إمرأة حديدية ، كياناً صلباً لا يقبل المساس بحصانته الجسدية أو النفسية.

وتشدد بن عبدالله على أن هذه الشجاعة هي الدرع الاستباقي الأقوى ، مدعومة بقضاء عادل يضرب بيد من حديد في مواجهة كل ما تسول له نفسه المساس بكرامة المرأة .

يعد الوعي بالحق والشجاعة في المطالبة به هما السلاحان اللذان يحولان الضحية من موقف الدفاع الى موقف القوة المطلقة ، ليبقى القانون دوما هو الحارس الامين لحرمتها و كرامتها.

 

الخاتمة :

تؤكد السفيرة إسلام بن عبدالله أن حماية المرأة خصوصاً في العصر الرقمي ، هي رحلة تبدأ بإيمان المرأة بذاتها وبأنها السيدة المستقلة على عرش حياتها .

انها المعادلة الذهبية التي تطرحها بن عبدالله ، عندما تلتقي السيادة النفسية للمرأة عبر آليتها الحمائية الاستباقية ، بصلابة الدرع القانوني ونزاهة عدالة القضاء ، نكون قد ارسينا بالفعل حجر الأساس لمجتمع لا يكتفي بحماية المرأة ، بل يقدس كرامتها الإنسانية ويحترم مكانتها كقوة فاعلة وقائدة . فحرية المرأة تبدأ من الداخل، ويحميها القانون من الخارج، لتظل المرأة دوماً محصنة ضد كل أشكال العنف والكسر .

عاشت المرأة دوماً حرةً ، شامخة ،مستقلة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى